Monthly Archives: January 2014

الجندر

تشير الأدبيات إلى أن مصطلح جندر “النوع الاجتماعي” استخدم لأول مرة من قبل “آن أوكلى” وزملائها من الكتاب في سبعينيات القرن الماضي، وذلك لوصف خصائص الرجال والنساء المحددة اجتماعياً في مقابل تلك الخصائص المحددة بيولوجياً.

Bathroom-gender-sign

غير أن البعض يرجح أن استخدام المصطلح وانتشاره في الأدبيات العالمية كان خلال فترة الثمانينيات من القرن الماضي، وهي الفترة التي اتسمت بمناقشات مكثفة حول أثر سياسات التكيف الهيكلي على أوضاع المرأة.

وكاتجاه عام فإن المصطلح يشير إلى التفرقة بين الذكر والأنثى على أساس الدور الاجتماعي لكل منهما تأثراً بالقيم السائدة. وفي هذا السياق، تتطلب عملية استجلاء مفهوم الجندر أو “النوع الاجتماعي” التمييز بينه وبين مفهوم الجنس أو “النوع البيولوجي”، فبينما يقتصر مصطلح الجنس Sex على الاختلافات البيولوجية بين الرجل والمرأة ويتسم بالتالي بالجبرية والاستاتيكية كون الفروق الجسدية بين الرجل والمرأة فروق ثابتة وأبدية، نجد أن مصطلح الجندر مفهوم دينامي حيث تتفاوت الأدوار التي يلعبها الرجال والنساء تفاوتاً كبيراً بين ثقافة وأخرى ومن جماعة اجتماعية إلى أخرى في إطار الثقافة نفسها، فالعرق، والطبقة الاجتماعية، والظروف الاقتصادية، والعمر، عوامل تؤثر على ما يعتبر مناسباً للنساء من أعمال. ولذا فإن طرح مفهوم الجندر كبديل لمفهوم الجنس يهدف إلى التأكيد على أن جميع ما يفعله الرجـال والنسـاء وكل ما هو متوقع منـهم، فيمـا عـدا وظائفهم الجسدية المتمايـزة جنسيـاً، يمكن أن يتغير بمرور الزمن وتبعاً للعوامل الاجتماعية والثقافية المتنوعة.

وفيما يرى أنصار مفهوم الجندر أو النوع الاجتماعي أنه يعبر عن اجتياز آخر الحواجز على طريق تحقيق العدالة بين الرجال والنساء لأنه يشمل التحول في المواقف والممارسات في كافة المجتمعات، نجد مقابل ذلك العديد من الانتقادات للمفهوم واستخدامه، وهي تلك الانتقادات التي يمكن إجمالها في التالي:

* يركـز مفهـوم الجنـدر علـى الأدوار الاجتماعية التي هي جزء من النظرية الوظيفية البنائية. وبينما تستبعد هذه النظرية مفاهيم القوة والصراع في تفسيرها للظواهر، يرجع إطار النوع الاجتماعي قضية المرأة إلى الاختلال في ميزان القوة والنفوذ بين الجنسين، وينادى بإعادة توزيع القوة بينهما من خلال مراجعة توزيع الأدوار والفرص.

* ينطوي مفهوم الجندر على بعض الاتجاهات المتطرفة التي تتعامل أحياناً مع علاقة الرجل بالمرأة على أنها علاقة صفرية، وتدعو بين ما تدعو إلى إقامة مجتمع من النساء على أساس أنه المجتمع الوحيد الذي تتحقق فيه المساواة المطلقة بين أفراده، ومثل تلك الاتجاهات تتكفل بإثارة الحفيظة تجاهها حتى بين أنصار قضية المرأة أنفسهم.

* يستخدم إطار النوع الاجتماعي الفجوة بين أوضاع الرجل والمرأة أساساً لقياس نهوض المرأة في حين أن مساواتها مع الرجل في كثير من المجالات لا يعنى بالضرورة نهوضها، إذ أن تساوى نسبة تمثيل الجنسين في المجالس النيابية على سبيل المثال قد لا يؤدى إلى اتخاذ القرارات المناسبة لتمكين المرأة إذا كان هناك ضعف في وعى النائبات البرلمانيات بقضايا المرأة.   

……………………………..

متعلقات

مفاهيم عامة فى الجندر(1)

ما معنى ” جندر” ؟

يرجع الفضل في استخدام مصطلح “الجندر” الى  منظمة العمل الدولية؛ وهو مصطلح يشير الى العلاقات والفروقات بين الرجل والمرأة التي ترجع الى  الاختلاف بين المجتمعات والثقافات والتي هى عرضة طوال الوقت للتغيير.

ومصطلح “الجندر” لا يعد بديلا لمصطلح ” الجنس” الذي يشير بدوره الى الاختلافات البيولوجية بين الرجال والنساء. وبمعنى اخر فانه يمكن استخدام مصطلح الجنس في التعدادات الاحصائية اما ” الجندر” فيستخدم في تحليل الادوار والمسئوليات والحاجات الخاصة بكلا من الرجال والنساء في كل مكان وفي اي سياق اجتماعي.

الابحاث الحديثة تؤكد على ان “الجندر” اصبح يعنى بما هو ابعد من الاطار الجنساني ليصل الىالمدى الذي يعني فيه بالعلاقات الاقتصادية كما ان التعريفات الجندرية جماعية ومجزأة وغير ثابتة. فالجندر عادة ما يتعلق بالديناميكيات الاثنية والطبقية.

ما معنى المساواة الجندرية؟

المساواة الجندرية تعنى ان لا تعتمد الحقوق والمسئوليات والفرص المتاحة للنساء والرجال على كونهم ولدوا ذكوراً ام اناثاً. والمساواة الجندرية تعني ايضاً ان التوزيع المتساوى للمقدرات الاقتصادية يجب ان يفهم في اطار التوزيع المتساوى للفرص والقدرة على التأثير والقوة الاجتماعية.

ما معنى العدالة الجندرية؟

العدالة الجندرية تعنى العدالة في التعامل مع كلاً من الرجال والنساء بناء على الاحترام الكامل لاحتيجاتهم. ربما يتضمن ذلك تعاملات عادلة او تعاملات مختلفة لكنها تعتمد على المساواة في الحقوق والمكتسبات والحريات المدنية والسياسية  وكذلك الفرص.

ما معنى جندرة الاتجاهات السائدة ؟

جندرة الاتجاهات السائدة هى العملية التي يتم من خلالها مراعاة ادراج النساء والرجال في كافة عمليات التخطيط بما في ذلك صنع التشريعات والسياسات والبرامج في كافة المناطق وعلى كافة المستويات. انها استراتيجية جعل اهتمامات وخبرات الرجال والنساء عناصر اساسية في تصميم وتنفيذ وتقييم السياسات والبرامج في كافة السياقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بما يضمن ان مسألة استفادة الرجال والنساء بشكل متساوى او غير متساوى من هذة السياسات والبرامج لن تكون محل نقاش. 

ما هو التحليل الجندري؟

التحليل الجندري هو اداة تحليل الفروقات بين الرجال والنساء مع مراعاة خصوصية الانشطة والظروف والاحتياجات والوسائل التي تؤثر في تحكمهم في الموارد وكذلك وسائل الافادة من التنمية واتخاذ القرار.

ان التحليل الجندري هو الاداة التي يتم بواسطتها دراسة الروابط بين هذة العوامل وغيرها في اوسع السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والبيئية.

ان التحليل الجندري يتطلب، اولاً تجميع كافة المعلومات الجنسانية غير المترابطة وكذلك المعلومات ذات البعد الجندري المتعلقة بالسكان. ان التحليل الجندري هو الخطوة الاولى نحو قياس ورصد مدى تحقق العدالة على اساس الجندر في المجتمعات.

مفاهيم عالمية: التذكير وَالتأنيث (الجندر)(2)

كتابُ ” التذكير وَالتأنيث/ الجندر” حلقةٌ من سلسلةِ “مفاهيم عالمية” التي أصدرها مترجمَةً مؤخراً – ليسَ مؤخراً جداً * – المركزُ الثقافيُّ العربيُّ. وَ”مفاهيم عالمية” مشروعٌ مشترك تبنته مؤسساتٌ وَدور نشر مختلفة من أنحاء العالم – صينيةٌ وَأوروبية وَأمريكية وَ جنوبُ إفريقيةٍ وَعربيةٌ – تقومُ فكرته على انتقاءِ مصطلحٍ مُعَيّنٍ وَتناوله بالدراسة والبحث بأقلام باحثينَ من دولٍ مختلفة، وَهو بإقرارهِ عَلَناً التنوّعَ وَالخصوصيات الثقافية يرجو تبيانَ نقاطِ الالتقاءِ وَالاختلاف وَإزالةَ الناتجِ عن تداولِ مصطلحٍ ما ضمنَ أُطُرٍ وَخلفياتٍ متباينةٍ أو مختلفة.

وَقد اختِيرَ مصطلحُ “الجندر gender ** ” ليكونَ موضوعَ دراسةِ هذا الإصدار، قدَّمَتْ حولهُ باحثاتٌ ستٌ ( هنَّ: رجاء بن سلامة من تونس، دروسلا كورنل من الولايات المتحدة، جنفييف فريس من أوروبا، سيمانتيني نيرانجانا من الهند، ليندا ولدهام من جنوب إفريقيا، وَلي كسياو-جيانج من الصين ) دراساتٍ متنوّعة. وَليس منبعُ هذا التنوّعُ اختلافُ خلفياتهنَّ الثقافية أو الأقاليم محلَّ الدراسة فقط، بل أيضاً إلى اتساعِ حقول المصطلح المختار وَمجالات بحثه.. الأمر الذي أدى إلى تعدد الزوايا التي خضعَت من خلالها “الكلمة المفتاح” للبحث.

فَـ رجاء بن سلامة – مثلاً – تركّز في مقالتها “إفراط الجندر” على الجانب الحقوقي من القضية في البلاد العربية، وَهي في ذلكَ تتقصَّى تعريف المفهوم (وَما يندرجُ تحته من قضايا المساواة وَالمثليين وَالمخنثين وَما أشبه) في خطاب السلطتين (الدينية وَالسياسية) في تراث العرب وَحاضرهم، كما تعرضُ بحثاً لُغوياً ينتهي إلى انتقادٍ حادٍ – كما هو متوقع – للأنظمة القمعية العربية.

في حينِ تَتَتّبعُ دروسلا كورنل في “نشأة مفهوم الجنس ومحنه في الولايات المتحدة” نواةَ هذا المفهوم الأولى وَتطورهُ فيما بعد ليشملَ قضايا أوسع من المساواة بينَ الجنسين، وَيتقاطعَ مع نقاطٍ حساسة في النظام القانوني وَالأخلاقي الأمريكي.. مُحدِثاً بذلك إشكالياتٍ تتعلقُ بمفاهيم العرق وَالجنس وَالحرية وَالهوية في مجتمعٍ متنوِّعِ العرقيات خاضَ صراعاتٍ لإرساءِ مفاهيمَ مثالية ثابتة.

أمَّا مقالتَيّ جنفييف فريس وَسيمانتيني نيرانجانا “تأييداً لنوعِ الجنس” وَ”الجنس في وجهيه الخاص وَالعام” فتُخضِعان للدراسةِ الكلمةَ – بما هيَ نواةُ مفهومٍ وَمفتاح بحث- وَما تحتمله من دلالاتٍ وَتثيره من إشكالاتٍ تبلغُ حدَّ التناقض. تُقدِّمُ فريس بحثاً فلسفياً شيقاً، في حينِ تموضعُ نيرانجانا “الجندر” أكثر في محيطهِ الثقافي الهندي وَتستعرض القضايا التي يثيرها مثل المساواة وَعمل المرأة وَكيفية تناول جسدها.

تمتازُ المقالةُ “جسمانية الجنس المجتمعي” لـ لي كيسياو-جيانغ بصبغته الصينيةِ القوية، فالباحثةُ تجرّدُ مفهوم التذكير وَالتأنيث تماماً من زيِّه الأوروبي حيثُ نشأ، وَتعيدُ تكوينهُ في مجتمعها الصيني مبينةً من خلال ذلك ماهيته في الذهنية الشعبية معَ ما يجرُّه ذلك من فهمٍ مختلفٍ لطبيعةِ العلاقةِ بين الجنسين.

وَيختتم الكتاب بـ “الجنس، وَالسلالة، وَالمواطن الأصلي” لـ ليندا ولدهام، وَفيه تخصُّ بالدراسةِ مدينةً ريفيةً صغيرة تُدعى “غريكاتاون” في إفريقيا الجنوبية، جاعلةً من الجنس وَالوضع الاجتماعي موضوعي بحثِها الرئيسين. وَتعرِّفُ في بحثها الأنثروبولجي سلّمَ العلاقات المختلفة في هذه المدينة التي يُشكِّلُ الانتماء مفردةً رئيسةً في عُرفها وَإليهِ تحتكمُ علاقات الرجال وَالنساء فيما بينهم وَبين بعضهم البعض.

هذه البادرة الجميلة تُحسَبُ للقائمين على المشروع، لكنَّ اتساعَ المفهوم وما استتبعَ ذلك من اختلاف زوايا البحث لم يخدِم هدفه كثيراً، إذ يصعبُ وَالحالُ كذلك إجراء مقارناتٍ سليمة وَعادلة بين الثقافات وَالوقوع على نقاطِ التشابه وَالختلافِ بينها. وَقد نجدُ للمشروع بعضَ عُذرٍ في صعوبةِ تحديدِ منهجيةٍ معينة للبحث، ففي حينِ لا تستدعي “الجندر” تعريفاً بالنسبةِ للباحثتين الأمريكية وَالفرنسية لكون أوروبا وَالولايات مهدَ هذا المفهوم، نجدُ رجاء بن سلامة تقفزُ على على تعريفِه إلى قضايا القمع وَاحتكار الكلمة في العالم العربي – وَهي همومٌ مشتركة تفرضُ نفسها بكثرةٍ على الأقلام العربية.. وَهي في ذلك ترسّخ فكرةَ تخلف العرب باستقرائها للتراثِ وَسحب استنتاجاتها على العقلية المعاصرة، أمَّا مقالةِ جيانغ الصينية فتنطوي على اعتزازٍ بهويتها إذ تُصرِّ على تشكيلِ المصطلح ضمنَ إطارٍ صينيٍّ بحت. رُغمَ ذلك – بل لأجلهِ ربما – أرجِّحُ منهجَ لي كيسياو-جيانغ ليكونَ معياراً لاشتمالهِ على الخصائص الأدعى لتقريبِ مفهومٍ ما بينَ ثقافتين أو أكثر.

الـ (جندر) وانتهاك حقوق الإنسان(3)

في تأصيل المفهوم

إن معالجة مسألة النوع الاجتماعي أو الـ (جندر Gender) وانتهاك حقوق الإنسان عموماً والمرأة بالتحديد تقتضي إثارة المفهوم الأخير. لذلك سنحاول التوقف ملياً عند تعريفه وتحديده تأصيلاً لـه، وذلك من خلال الإشـارة إلى أبرز التوجهات النظرية التي قدمت له من حيث الريادة، فضلاً عن إيلاء أصوله اللغوية بعض الاهتمام.

إن معالجة قضيـة منظور الـ (جندر Gender) – ويمكن ترجمته بـ (النوع الاجتماعي) وهو ما حاولنا تأكيده في المدخل السابق- وعلاقته بانتهاك حقوق المرأة تقتضي البحث والتحقيق في المفهوم أولاً، وذلك لسـببين رئيسيين:

1) الغموض القائم في أذهان عدد كبير من الأفراد حول مفهوم الـ (جندر Gender).

2) الفهم الخاطيء القائم في أذهان عدد آخر من المتهمين بقضايا المرأة، الذين لا يرون في مفهوم الـ (جندر Gender) أو النوع الاجتماعي إلا ترديداً لمفهوم أخر غامض بدوره هو (حقوق المرأة).

الاختلاف القائم في الأوساط الأكثر التصاقاً بالمسألة إذ يرى عدد من المتهمين بقضايا المرأة ومن النشطين في حقل الدفاع عن حقوق المرأة أن مفهوم الـ (جندر Gender) أو النوع الاجتماعي يهمل ما هو متصل بدور المرأة في المجال الفيزيولوجي والإنجابي، في حين يرى العدد الأكبر من غير أولئك أن خصوصية المفهوم تكمن أساساً في إقصاء ذلك البعد حتى لا يُنظر إلى أفراد المجتمع على أساس ثنائية جنسية من ذكر وأنثى، وإنما من منظار ثنائية أخرى هي المرأة والرجل وما يربط بينهما ثقافياً – في المفهوم الأشمل – من روابط اجتماعية وحضارية ومهنية متغيرة بتغير الأدوار وتنوعها.

لقد وضعت تعريفات عدة لمفهوم الـ (جندر Gender) منذ انتشاره بشكلٍ واسع في أواسط التسعينات من القرن الماضي. إذ تطور مفهوم الـ (جندر Gender) من مصطلحٍ لغوي ليصبح نظريةً وأيديولوجيا لحركة نسوية واضحة المعالم في معظم المجتمعات المتحضرة تدعى (Feminism Gender ).

– إن الـ (جندر Gender) كلمة إنجليزية تنحدر من اصل لاتيني وتعني في الإطار اللغوي القاموسي (الجنس) من حيث الذكورة والأنوثة. وهي كمصطلح لغوي يستخدم لتصنيف الأسماء والضمائر والصفات، أو يستخدم كفعل مبني على خصائص متعلقة بالجنس في بعض اللغات وفي قوالب لغوية بحتة” .

– لكن مفهوم الـ (جندر Gender) كما يفهم منـه الآن برز لأول مرة في الثمانينات من القرن الماضي. وقدم هذا المفهوم بواسطة العلوم الاجتماعية عموماً ، والسوسيولوجيا بالتحديد من خلال دراسة الواقع الاجتماعي والسياسي، كمحاولة لتحليل الأدوار والمسؤوليات والمعوقات لكل من الرجل والمرأة.

ويقابل مفهوم النوع أو الجندر مفهوم (الجنس Sex). والفرق بين المفهومين أن مفهوم الجنس يرتبط بالمميزات البايولوجية المحددة التي تميز الرجل عن المرأة، والتي لا يمكن أن تتغير حتى أن تغيرت الثقافات أو تغير الزمان والمكان.

وعلى الرغم من إن مفهوم النوع هو إشارة للمرأة والرجل، إلا أنه أستخدم لدراسة وضع المرأة بشكل خاص أو كمدخل لموضوع (المرأة في التنمية). من جهة أخرى تناول هذا المفهوم استغلال الرجل للمرأة والذي أصبح أحد أبرز أنواع الصراع. ومن هنا نبعت الضرورة للتركيز علي قضايا (المرأة والمساواة) أو (المرأة وحقوق الإنسان).

– وقد دخل مفهوم الجندر إلى المجتمعات العربية والإسلامية مع وثيقة مؤتمر القاهرة للسكان 1994، إذ أنه ذكر في (51) موضعاً من هذه الوثيقة، منها ما جاء في الفقرة التاسعة عشرة من المادة الرابعة من نص الإعلان الذي يدعو إلى تحطيم كل التفرقة الجندرية. ولم يثر المصطلح أحداً، لأنه ترجم بالعربية إلى (الذكر/الأنثى)، ومن ثم لم يُنتبه إليه.

– ثم ظهر المفهوم مرة أخرى ولكن بشكل أوضح في وثيقة بكين 1995، حيث تكرر مصطلح الجندر (233) مرة. ولذا كان لا بد من معرفته والوقوف على معناه من معرفة أصله في لغته التي صك فيها، والتعرف على ظروف نشأته وتطوره الدلالي. فقد رفضت الدول الغربية تعريف الجندر بالذكر والأنثى، واستمر الصراع أياما في البحث عن المعنى الحقيقي للمصطلح، إذ أصرت الدول الغربية على وضع تعريف يشمل الحياة غير النمطية كسلوك اجتماعي ورفضت الدول الأخرى أية محاولة من هذا النوع، فكانت النتيجة أن عرفت اللجنة المصطلح بعدم تعريفه: (The Non Definition of The Term Gender).

– أما وثائق مؤتمر روما حول إنشاء المحكمة الجنائية الدولية المنعقدة في روما 1998م فإنها تكشف عن محاولة لتجريم القوانين التي تعاقب على الشذوذ الجنسي، حيث أوردت الدول الغربية: “أن كل تفرقة أو عقاب على أساس الجندر يشمل جريمة ضد الإنسانية”. وكان إدخال كلمة Gender في تعريف الجرائم بالإنجليزية أمراً غريباً في حد ذاته، إذ أن النصين العربي والفرنسي استعملا كلمة (الجنس) ولم يستعملا كلمة الـ (جندر Gender)، حيث عرف الـ (جندر Gender) بأنه: (يعني الذكر والأنثى في نطاق المجتمع). وكما هو واضح من التعريف فإن عبارة (نطاق المجتمع) تعني أن دور النوع لكليهما مكتسب من المجتمع، ويمكن أن يتغير ويتطور في نطاق المجتمع نفسه.

– أما منظمة الصحة العالمية فتعرفه على أنه: “المصطلح الذي يفيد استعماله وصف الخصائص التي يحملها الرجل والمرأة كصفات مركبة اجتماعية، لا علاقة بها بالاختلافات العضوية”.

– أما الموسوعة البريطانية فعرفت ما يسمى بـ (الهوية الجندرية Gender Identity): ” إن الهوية الجندرية هي شعور الإنسان بنفسه كذكر أو أنثى، وفي الأعم الأغلب فإن الهوية الجندرية والخصائص العضوية تكون على اتفاق (أو تكون واحدة)، ولكن هناك حالات لا يرتبط فيها شعور الإنسان بخصائصه العضوية، ولا يكون هناك توافق بين الصفات العضوية وهويته الجندرية (أي شعوره بالذكورة أو بالأنوثة).

– أما الباحثة الفرنسيةAntoinette Fouque فتعرفه بالقول: إن مفهوم الجندر (النوع الاجتماعي) يعني أن مفهوم الجندر يعني أن مميزات الرجل والمرأة هي مميزات تتصل بعلاقتهما الاجتماعية تحت تأثير عوامل اقتصادية وثقافية وأيديولوجية … تحدد أدواره وأدوارها ، وتضيف: أنه يجب إقحام المساواة بين الرجل والمرأة في كل السياسات العامة – الحكومية منها وغير الحكومية- .

– فيما تعرفه إحدى حركات (Feminism Gender ) الجندر بأنه: “منظم للحياة، وأنه لا يمكن تعريف الجندر من خلال مصطلحي٧ “المرأة” و”الرجل”، لأن الجندر بجميع معانيه يتشكل اجتماعياً، وبالتالي يمكن إعادة تشكيله.

– فما الذي تعنيه التعريفات السـابقة ؟

– إنه يعني أن الأطفال يدفعون اعتباراً من يومهم الأول بصورةٍ منتظمة إلى دورٍ جندري – نسبةً إلى جندر – (جنساني) ويمسخون إلى كائن نسميه (أنثى) أو (ذكراً). هذه السيرورة تحجم الاثنين، إلا أن البنت تُحدّ أكثر من الصبي في إمكانياتها الكامنة، تنتقص في استقلاليتها، وتظلم على صعيد الواقع.

فالجندر يرجع إلى الخصائص المتعلقة بالرجال والنساء والتي تتشكل اجتماعياً مقابل الخصائص التي تتأسس بايولوجياً (مثل الإنجاب)” ، ومن هذه الخصائص الذكورة والأنوثة باعتبارهما خصائص اجتماعية مبنية على أساس بايولوجي، ولم يتم تناول مسألة الفصل بين الأبعاد البايولوجية والاجتماعية. وعلى الرغم من أن الجندر مبني على أساس الجنس البايولوجي، فإنه يتشكل اجتماعياً أكثر منه بايولوجياً”.

مقتطفات من مسرد مفاهيم ومصطلحات النوع الاجتماعي(4)

تحليل الوضع:

تقدير أو تقويم وضع المرأة في المجتمع نسبة إلى الرجل. ويراجع أدوار المرأة والرجل ومشاركتهما في مختلف النشاطات الاقتصادية والسياسية، والثقافية الاجتماعية. ويقيس كذلك مدى حصولهما على الفرص المتاحة ويتفحص المنافع المطلوبة لكل منهما. 

تصنيف البيانات والمعلومات حسب الجنس (ذكر وأنثى) :

تعني جمع المعلومات في دراسات ميدانية وتحليل نتائجها على أساس تقسيم الجنس إلى ذكر وأنثى: فمثلا البيانات المتعلقة بوضع الرجل والمرأة والأدوار الاجتماعية – الاقتصادية لمختلف مجموعات الرجال والنساء.

أدوار النوع الاجتماعي:

ويعني هذا المصطلح أن الأدوار التي يقوم بها كل من الجنسين هي أدوار تشكلها الظروف الاجتماعية. وليس الاختلاف البيولوجي. فعلى سبيل المثال إذا كانت تربية الأطفال وأعباء العمل المنزلي مرتبطة تقليديا بالمرأة فإن ذلك ليس له علاقة بتكوينها البيولوجي كمرأة. إذ أن هذه الأدوار يمكن أن يقوم بها الرجل أيضا. عليه فإن أدوار النوع الاجتماعي تختلف عن أدوار الجنس البيولوجي، فالأولى من الممكن أن تكون متبادلة بين الجنسين، في حين أن الثانية تتسم بالثبات.

احتياجات النوع الاجتماعي العملية:

وهي تنشأ عن التقسيم التقليدي للعمل طبقا للجندر بالنسبة للمرأة والرجل، وهي نتيجة لترتيب المرأة في المقام الثاني بعد الرجل والذي لا يعد محل تساؤل أبداً. إن احتياجات النوع الاجتماعي العملية تعد استجابة أو رد فعل على الضرورة المباشرة في سياق معين، وهي احتياجات عملية بطبيعتها وكثيرا ما تعني بالظروف المعيشية غير المناسبة مثل توفير المياه والرعاية الصحية والتوظيف … الخ.

احتياجات النوع الاجتماعي الاستراتيجية:

وهي الاحتياجات التي يتم تحديدها، على أساس ترتيب المرأة في المقام الثاني بعد الرجل في المجتمع. وهي تحدد على ضوء علاقتها بالرجل. وتختلف هذه الاحتياجات طبقا للسياق الذي توضع فيه، وبناءا على علاقتها بتقسيم العمل طبقا للنوع الجنسي وكذلك علاقتها بالسلطة والسيطرة. ويمكن أن تتضمن موضوعات مثل الحقوق القانونية والمساواة في الراتب وتحكم المرأة في جسدها. إن مواجهة احتياجات النوع الاجتماعي الاستراتيجية يساعد على تحقيق قدر اكبر من العدل ويغير الأدوار الموجودة مما يجعله تحديا ضد وضع المرأة في مكان اقل.

التخطيط مع مراعاة الجندر:

هو التخطيط الذي يأخذ في الاعتبار تأثير السياسات والبرامج على تحقيق التوازن بين الجنسين، والذي يحاول بصورة إيجابية معالجة اوجه عدم التوازن في العلاقات الجندرية.

ويعني ذلك، ضرورة الأخذ في الاعتبار، عند التخطيط، الاختلاف في النوع. بعبارة أخرى، ضرورة أن تشمل عملية التخطيط مشاركة المرأة في جميع مراحل التخطيط للتنمية، وذلك ابتداء من مرحلة تحديد المشكلة، وتوجيه الأهداف. حتى تشمل التنمية مواجهة مشاكل المرأة والرفع من مستوى حياتها الاجتماعية والاقتصادية.

الجندر ودوره في الحياة الإقتصادية والإجتماعية(5)

لايزال مفهوم الجندر يثير جدلاً وغموضاً لدى الكثيرين حيث تم تعريبه الى عدة مصطلحات، وكان مصطلح النوع الاجتماعي للدلالة على مفهوم الجندر وهو دراسة العلاقة المتداخلة بين الرجل والمرأة في المجتمع تحددها وتحكمها عوامل مختلفة اقتصادية واجتماعية وسياسية.

وتأثير هذه العلاقة على مكانة المرأة والرجل في المجتمع وأصبح استخدام كلمة الجندر يتزايد في جميع القطاعات المهتمة بمسائل التنمية والسكان وتنظيم الاسرة، ويعتبر ادماج فصل مستقل عن المساواة والجندر والانصاف وتمكين المرأة في برنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية (ICPD) المنعقد في القاهرة عام 1994 دليلاً على الاعتراف بأهمية التحليل الذي يعتمد الجندر لكن البعض يظن انه يحتوي على طريقة اخرى للاشارة الى الجنس البيولوجي او بعض جوانبه ويستعلمه البعض الآخر ليحل محل كلمة امرأة في مجال المسائل والمشاريع التي تخصها بالذات ويعتبر كلا التفسيرين غير صحيح لانهما يهملان عنصرين مهمين هما الرجل و المجتمع والرسالة الجوهرية التي يؤديها مفهوم الجندر تتضمن الرجل والمرأة الموجودين في مجتمع واحد ووجهة نظرهما الى كل القضايا التنموية التي تهم المجتمع.

مؤتمر بيجين الرابع 1995 :‏ عندما قام هذا المؤتمر لتحقيق المساواة الايجابية بين الرجل والمرأة ،وتحسين أوضاع المرأة أظهر مدى التزام دول العالم بالنهوض بالمرأة ومساواتها من منظور النوع الاجتماعي ( الجندر) وأتاح المؤتمر الفرصةلجميع الحكومات والمنظمات والافراد لاستعراض جهودهم وتجديد التزامهم للعمل من أجل المساواة والتنمية، كما تبنى صندوق الامم المتحدة الانمائي للمرأة( اليونيفيم) بعد مؤتمر بيجين برنامج عمل تمكين المرأة التي تم تبنيها في منهاج العمل من خلال اطلاق مبادرة برنامج متابعة مابعد بيجين عام 1996 بالتعاون مع الاتحاد الاوروبي، وكان من أهدافه تعزيز الآليات المعنية بالمرأة وترجمة منهاج عمل بيجين الى استراتيجيات وخطط عمل وطنية ودعم التخطيط الجندري وادماج قضايا النوع الاجتماعي في التنمية الشاملة لزيادة مشاركة المرأة في صنع القرار. ‏ images

الجندر ودوره في قضايا المرأة(6)

مفهوم (الجندر) Gender كلمة انجليزية تنحدر من أصل لاتيني وتعني في الإطار اللغوي Genus أي (الجنس من حيث الذكورة والأنوثة) وإذا استعرنا ما ذكرته آن أوكلي التي أدخلت المصطلح إلى علم الاجتماع سنجد أنها توضح أن كلمة Sex أي الجنس تشير إلى التقسيم البيولوجي بين الذكر والأنثى، بينما يشير النوع Gender إلى التقسيمات الموازية وغير المتكافئة (اجتماعياً إلى الذكورة والأنوثة) ولديها كتاب عن هذا عنوانه (الجنس والنوع والمجتمع عام 1972م)، ومن هذا نجد أن مفهوم (النوع) يلفت الانتباه إلى الجوانب ذات (الأساس الاجتماعي) للفروق بين الرجال والنساء، ولقد اتسع منذ ذلك الوقت استخدام هذا المصطلح ليشير ليس فقط إلى الهوية الفردية وإلى الشخصية ولكن يشير على المستوى الرمزي أيضاً إلى الصور النمطية الثقافية للرجولة والأنوثة، ويشير على المستوى البنائي إلى تقسيم العمل على أساس النوع في المؤسسات والتنظيمات. ورغم استخدامه بكثرة في الآونة الأخيرة إلا أنه ظل بصفته (مفهوما) غامضاً إذ يتم تعريبه وترجمته إلى اللغة العربية إلى مصطلحات عدة منها (الجنس البيولوجي، الجنس الاجتماعي، الدور الاجتماعي، النوع الاجتماعي) وحالياً يستخدم مفهوم النوع الاجتماعي (الجندر) للتعبير عن عملية دراسة العلاقة المتداخلة بين المرأة والرجل في المجتمع.

بمعنى أن (الجندر يوضح العلاقة التي تنشأ بين الرجل والمرأة على أساس اجتماعي وسياسي وثقافي وديني) أي الاختلافات التي (صنعها البشر عبر تاريخهم الطويل)!! بمعنى أن (الجنس Sex يولد به الإنسان بيولوجياً فهو غير قابل للتغيير، أما ال Gender النوع الاجتماعي فهو قابل للتغيير لأنه يتكون اجتماعياً.. ولهذا فإن دعاة مصطلح الجندر يقدمونه على أنه يحمل معنى (تحرير المرأة وتحسين دورها في التنمية) ولا يزال الغموض حول ترجمة هذا المصطلح إلى اللغة العربية كما ذكرت سابقاً رغم أن البعض يجعله مرادفاً لكلمة Sex بمعنى الجنس والجنوسة وهذا الغموض حول تعريب هذا المصطلح كان واضحاً في وثائق مؤتمرات الأمم المتحدة التابعة لها بل إن النسخة الإنجليزية لمؤتمر بكين الدولي المشهور ذكرت المصطلح 254 مرة دون أن تعربه!! وتحت ضغط الدول المحافظة تم تشكيل فرق عمل لتعريفه وخرجت لجنة التعريف بعدم تعريف المصطلح!!

أما في مؤتمر روما لإنشاء المحكمة الدولية عام 1998م فقد وردت عبارة (كل تفرقة أو عقاب على أساس الجندر تشكل جريمة ضد الإنسانية) وتم في النسخة العربية استبدال كلمة Gender بكلمة Sex!! ولقد اعترضت الدول العربية على هذا وتم التغيير إلى كلمة الجندر وبقي الأصل الانجليزي كما هو!!

ووفقاً لمن يرى أن (الجندر) ما هو إلا (إداة تحليلية تفسر العلاقات بين النساء والرجال وتداعيات هذه العلاقات وتأثيرها على دور ومكانة المرأة في المجتمع..فإنهم يحددون أن مفهوم النوع الاجتماعي Social Gender هو عملية دراسة العلاقة المتداخلة بين المرأة والرجل في المجتمع وتسمى هذه العلاقة (Gender Relation Ship) تحكمها (عوامل مختلفة اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية ودينية) عن طريق تأثيرها على (قيمة العمل في الأدوار الانجابية والتنظيمية التي تقوم بها المرأة والرجل)!!

وغالباً ما تؤدي هذه العلاقة إلى (عدم اتزان) على حساب المرأة في (توزيع القوة) وتكون النتيجة احتلال الرجل (مكانة فوقية) بينما تأخذ المرأة (وضعاً ثانوياً) في المجتمع. ويرون أن مكانة المرأة والرجل في المجتمع يجب أن توجد مناخاً مناسباً (للتنمية الفعالة في المجتمع) ويمكن (فقط لعلاقة النوع الاجتماعي) أن تكون متوازنة إذا ما حولنا استبدال مفهوم (القوة Power) إلى مفهوم (التمكين Impower Mednt)، أي القوة لانجاز شيء ما، والتمكين يهدف لايجاد الظروف التي تساعد الرجل والمرأة على السواء أن يوجها احتياجاتهما اليومية والمستقبلية.

باختصار مفهوم الجندر رغم ما يحاولون أن يجعلوه غامضاً حول ترجمته هو وسيلة لإلغاء الفروق البيولوجية ورفض الاختلاف ين الذكر والأنثى رغم أن هذا هو الأصل لقوله تعالى: {وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى) النجم: 45 – 46، أيضاً يستخدم هذا المفهوم أداة في تقارير مؤتمرات الأمم المتحدة للمرأة ليس لتحسين دورها في التنمية ولكن أيضاً لفرض فكرة حق الإنسان في تغيير هويته والأدوار المترتبة عليها والاعتراف بالشذوذ الجنسي وفتح الباب على إدراج حقوق الشواذ من زواج المثليين وتكوين أسر (غير نمطية) كما يقولون أي الحصول على أبناء بالتبني يطلقون عليها مسمى Non Stereotyped Familles مما يؤدي إلى إضعاف الأسر الشرعية التي هي لبنة بناء المجتمع السليم المترابط، وهناك دراسات عن انحسار مفهوم الأسرة المتعارف عليه.

(الجندر) والمواطنية في الشرق الأوسط(7)

تأليف: عدد من المؤلفات ترجمة: عدد من المترجمين

بيروت: دار النهار، 2003

يمثّل هذا الكتاب مساهمات لباحثات من الشرق والغرب حول مسألة (الجندر)، حيث تُقدّم فصول الكتاب بحثاً شاملاً حول تشريعات كل بلد شرق أوسطي في أطر المواطنية والأحوال الشخصية، والقانون الجزائي وقانون العمل والضمان الاجتماعي، وغيرها من المؤشرات مثل التعليم والاستخدام.

وتتناول معظم الدراسات التي حواها الكتاب أنواع التعبئة والنشاط السياسي الذي تقوم به النساء أنفسهن من أجل الوصول إلى حقوقهن في المواطنية. جاء الكتاب في خمسة أقسام. القسم الأول كان مقدمة نظرية للباحثة سعاد جوزف (أستاذة في الأنثروبولوجيا والدراسات النسائية في جامعة كاليفورنيا ديفيس ) حول عملية جندرة المواطنية في الشرق الأوسط.

ثم توزعت أقسام الكتاب جغرافياً، فحوى القسم الثاني مساهمات في موضوع البحث تتعلق بشمال إفريقيا، وهي:

1 مخاطر الخطاب القومي على المواطنية في مصر: ميرفت حاتم (أستاذة في العلوم السياسية في جامعة هوارد في واشنطن ).

2 المواطنية والجندر في الجزائر: مرنية لزرق (أستاذة في السوسيولوجيا والدراسات النسائية في جامعة (سيتي (في نيويورك ).

3 أن تصبح مواطناً، السلالة مقابل الفرد في تونس والمغرب: منيرة شرّاد (أستاذة مساعدة في علم الاجتماع والدراسات الشرق أوسطية في جامعة تكساس ).

4 الدولة الإسلامية والمواطنية المجندرة في السودان: سوندرا هال (أستاذة مساعدة في الأنثروبولوجيا والدراسات النسائية في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس ).

القسم الثالث اهتم بدول المشرق العربي، وجاءت فيه الدراسات التالية:

1 الخرافات المدنية والمواطنية والجندر في لبنان: سعاد جوزف.

2 مواطنو الترانزيت، الجندر والمواطنية في ظل السلطة الفلسطينية: إصلاح جاد (محاضرة في جامعة بيرزيت في الدراسات الثقافية والدراسات النسائية )، بيني جونسون (عضو في مركز الدراسات النسائية في جامعة بيرزيت )، ريتا جياكمان (مديرة مؤسسة المجتمع المحلي والصحة العامة في جامعة بيرزيت ).

3 الجندر والمواطنية في الأردن: عبلة عمّاوي (مساعدة تمثيلية لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية في السودان ).

4 الجندر والدولة في العراق: جاكلين إسماعيل (أستاذة في العمل الاجتماعي في جامعة كالغاري كندا )، شيرين إسماعيل (أستاذة مساعدة في العمل الاجتماعي في جامعة بريتش كولومبيا الشمالية).

وعن دول الخليج العربي جاءت المساهمات التالية في القسم الرابع من الكتاب:

1 مفهوم المواطنية وممارستها في المملكة العربية السعودية: ثريا التركي (أستاذة في الأنثروبولوجيا في الجامعة الأميركية في القاهرة ).

2 المواطنية والجندر والسياسة في (أشباه الدول): هيا المغني (مفكّرة مستقلة تعمل في الكويت )، ماري آن تيترو (أستاذة في العلاقات الدولية في جامعة ترنيتي في سان أنطونيو ).

3 جوازات وممرات، امتحانات حقوق النساء اليمنيات في المواطنية: شيلا كارابيكو (رئيسة قسم العلوم السياسية في جامعة ريشموند )، آنا ويرث (عضو جمعية مراقبة حقوق الإنسان في قسم الشرق الأوسط ).

القسم الخامس والأخير من الكتاب ضمّ دراسات عن الشرق الأوسط غير العربي، هي:

1 الجندر والمواطنية في تركيا: يسيم آرات (أستاذة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية في اسطنبول في تركيا ).

2 النساء الإيرانيات عند تقاطع المواطنية وقانون العائلة: هما هودفار (أستاذة مساعدة في قسم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في جامعة كونكورديا في مونتريال ).

3 مواطنية المرأة اليهودية والمرأة الفلسطينية في إسرائيل: باربرا سويرسكي (مديرة مركز يهتم بالموازنة وقضايا العدالة الاجتماعية في المجتمع الإسرائيلي ). يقع الكتاب في (426 ) صفحة من القطع الكبير.

بحث في شخصية المرأة في الرواية لرضا الظاهر(8)

– (الامير المطرود) حفر سايكولوجي في أرض بكر – قراءة: عبد المنعم الاعسم

هذا الكتاب يقع في 312 صفحة ويضم ثمانية فصول، هو حسب ما اورده المؤلف في الفصل الاول الذي يعد بمثابة مقدمة تفصيلية للكتاب، (اعادة نظر، اعادة قراءة، رؤية للماضي بعيون جديدة، والدخول الي نص قديم من وجهة نقدية جديدة. وهو كتاب يعتمد علي مقدمة اننا نقرأ، فيؤثر فينا ما نقرؤه، ويشبعنا بافتراضاته. انه محاولة لإضاءة وضع المرأة في الثقافة البطرياركية. ففعل وعيها الاولي هو الاحساس بالضياع. لكن ما هو اسوأ من الضياع هو تشوش الوعي الذي يجعل طبيعة الضياع بل وحقيقة الضياع نفسها غائمة. انها وهي مطوقة بالاساطير والصور والعقائد الجامدة والتعريفات والقوانين والقيود والخوف، مضللة بالاعتقاد بالنظريات المنسوجة حولها، التي تؤيد تبعيتها، وتمنعها من معرفة ما هي محرومة منه. ان شرط حياتها هو العزلة وهو بالضبط شرط امير مطرود).

هذا الكتاب هو، اذن محاولة في تعقب مصير (الامير المطرود) الضائع في (البرية الذكورية للرواية)، انطلاقا من حقيقة ان الوعي سلطة، وان خلق فهم جديد للادب يعني جعل التأثير الجديد للادب علينا نحن القراء أمرا ممكنا. ويعني هذا بالمقابل توفير الشروط لتغيير الثقافة التي يعكسها الادب. فالتساؤل والكشف عن ذلك المركب من الافكار والاساطير حول النساء والرجال الذين يوجدون في المجتمع وتنعكس في الادب يعني جعل نظام السلطة المجسد في الادب عرضة لا للمناقشة حسب وانما للتغيير ايضا. ولا يمكن، بالطبع انجاز مثل هذا التساؤل والكشف الا عبر وعي مختلف جذريا عن الوعي السائد الذي يصوغ الادب. ولا يمكن اختراق هذا النظام المغلق الا عبر وجهة نظر ترتاب بقيمه وافتراضاته وتيسر للوعي ما يرغب الادب في ابقائه مخفيا.

وفي الفصل الاول الذي يحمل عنوان الكتاب، أضاء المؤلف عددا من المفاهيم الاساسية مركزا، بشكل خاص، علي ثلاثة منها هي: الجندر، والبطرياركية، والمعيار الادبي، معتبرا اياها اساسا منهجيا في بحثه حول علاقة المرأة بالادب، وهو ما كان موضوع كتابه السابق (غرفة فرجينا وولف ــ دراسة في كتابة النساء) الصادر عام 2001 عن دار المدي، والذي درس فيه شخصية المرأة ككاتبة، بينما ركز تناولها في الكتاب الحالي علي كونها شخصية في الرواية متخذا مثال الرواية الامريكية، وهو ما يعتزم الكاتب استكماله بكتاب جديد يشتغل عليه في الوقت الحالي، ويدرس فيه شخصية المرأة في روايات بريطانية.

قصة الجسد الثقافية

ففيما يتعلق بالمفهوم الاول، اي الجندر يشير المؤلف الي انه في أواخر سبعينيات القرن العشرين اصبح مألوفا الجدال بأن هناك فرقا بين (الجنس) و(الجندر). فالجنس مصطلح بيولوجي، اما الجندر فمصطلح اجتماعي، وتري الباحثات في الشؤون النسوية ان ربط الاضطهاد بالخصائص البيولوجية الثابتة ينطوي علي التضليل ولهذا قضين سنوات يبحثن عن نظرية لاصول هوية الجندر: سايكومعرفية، سايكوتحليلية، سوسيولوجية، اقتصادية، ام مزيج من كل هذا؟

وهناك بايجاز، فارق يمكن استخلاصه بين الجنس والجندر. فجانب (الجنس) يتميز بحد ادني من العوامل البيولوجية التي تجعلنا نميز جسدا معينا باعتباره جسد امرأة او جسد رجل. اما الجندر فهو قصة الجسد الاجتماعية او السايكولوجية او الثقافية، اي انه النظرة الاجتماعية او السايكولوجية للاختلاف الجنسي، وهو مجموعة من الصفات المحددة ثقافيا.

وفي معظم الثقافات المعروفة تجسد النظرة الاجتماعية او السايكولوجية المعينة للاختلاف في الجنس نمطا من خصائص التمييز الجنسي، وهي خصائص تضطهد النساء، والامثلة علي هذا من الكثرة بحيث لا حاجة لوصفها فهي موثقة علي نطاق واسع في الادب.

ويساعد استخدام الجندر في حقل الدراسات الادبية علي اكتشاف حقيقة ان طرق القراءة والكتابة لدي الرجال كما لدي النساء تتميز بالجندر. بل ان الحديث عن الجندر يذكرنا، باستمرار، بالمقولات الاخري لاختلاف العرق والطبقة التي تبني حياتنا ونصوصنا بالضبط كما ان تنظير الجندر يؤكد التماثل بين النقد النسوي والاشكال الاخري لخطاب الاقليات.

غير ان الجندر بعيد عن ان يحقق حالة اجماع. فبينما تتفق معظم الباحثات في الشؤون النسوية علي الفارق بين الجنس والجندر، والحاجة الي دراسة الانوثة والذكورة، هناك جدل فكري محتدم حول بنية الجندر والطريقة التي ينبغي بها استخدامه من جانب الباحثين والنقاد. فالسايكوتحليليون وما بعد البنيويين يستخدمون مصطلح (الاختلاف الجنسي)، ويستخدم بعضهم مصطلح الجندر والاختلاف بصورة متبادلة مع انهما مستمدان من مواقف نظرية مختلفة.

ويستفيد النقاد العاملون تحت عنوان (الاختلاف الجنسي) من التحليل الفرويدي وما بعد الفرويدي وخصوصا من لاكان. ويعتقدون ان الجندر مبني اساسا عبر اكتساب اللغة اكثر من عبر الانتساب الاجتماعي او الممارسة الثقافية، وان موضوع التعبير يجب ان يدخل النظام الرمزي المحكوم بــ(قانون الاب). ولهذا فان تفكيك اللغة يعني تفكيك الجندر، وان تهديم النظام الرمزي يعني تهديم الاختلاف الجنسي.

غير انه بالنسبة للنقاد الماديين يفضلون مصطلح (الجندر)، يدل الحديث عن (الاختلاف الجنسي) ضمنا علي اعتقاد بحتمية العلاقات الاجتماعية بين الجنسين، واختزال مكانة التاريخ والعملية الاجتماعية لصالح العوامل السايكولوجية واللغوية المقررة، وتشير الباحثات في الشؤون النسوية الماركسيات الي ان الجندر لا يوجد بصورة مستقلة او في فراغ سياسي واجتماعي، وانما يصاغ دائما في اطار ايديولوجي ولهذا فانه ينبغي عدم معالجة الجندر كمقولة منعزلة في الاطار السايكوتحليلي الخالص وانما ينبغي النظر اليه كجزء من عملية تشكل اجتماعي.

وفضلا عن ذلك فان الجندر ليس فقط مسألة (اختلاف) وانما مسألة (سلطة) طالما اننا نجد، في النظر الي علاقات الجندر، عدم تناسق جنسي ولا مساواة وهيمنة ذكورية في كل مجتمع. ان الباحثات في الشؤون النسوية ذوات النزعة المادية او الماركسية يحللن الطرق التي تصاغ بها ايديولوجيا الجندر وتتجسد ويعاد انتاجها في ممارسات ثقافية متنوعة، بما في ذلك الادب والاعلام الجماهيري والسينما والثقافة الشعبية.

………………………………….

1 – مركز الجنوب

 2- نادي اقرأ

 3-د. علي وتوت / اصدقاء الديمقراطية

 4 عربية 21- نشرة دورية متخصصة تصدر عن الوحدة الإقليمية لمشروع ما بعد بيجين – صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة (يونيفم) غرب آسيا

 5- زهور كمالي ـ الهام العطار/ موقع امان

 6 – :د. نورة خالد السعد/ موقع العرب نيوز

 7- جريدة الجزيرة

 8- جريدة الزمان

Advertisements

Vedrai Carino

Live & Learn


Tara Rose Davison, performs Mozart’s “Vedrai, Carino” (“You shall see my dear“) which is from Act II, Scene I of the Italian opera Don Giovanni which premiered in 1787, 226 years ago.  (Mozart was 31 years old at the time.  Man was Genius.)

Davison is a soprano and classical guitarist. She began her career as an opera singer. By the age of 21, she was the youngest finalist in the Metropolitan Opera National Council Auditions.  During graduate school, Tara’s passion for the classical guitar sparked a shift in her musical career. She realized that her true passion lay in the under-recognized genre of art songs with classical guitar accompaniment.  Tara has since made it her mission to un-earth, perform and record the hundreds of “lost songs” in the repertoire.  She dedicated her master’s thesis to compiling a complete bibliography of works for voice and…

View original post 73 more words

رواية تصور واقع “المثلية الجنسية” في السعودية الواد والعم

الرواية تحت عنوان “الواد والعم”، للصحافي السعودي مفيد النويصر، ومن المنتظر أن تثير هذه الرواية جدلاً محلياً لمساسها بمسألة اجتماعية مثيرة، هي المثلية الجنسية في بعض الحارات الشعبية وبعض المقاهي ذات الطراز الغربي الموجودة في مدينة جدة، وارتباطها في الحارة الشعبية بمشاركة ذوي الأصل الأفريقي، وتحول المشاركة في مقاهي جدة إلى العمالة الآسيوية، فضلاً عن شبان سعوديين في كلتا الحالتين.

rwia وقد نقلت الرواية إلى القارئ جانباً مسكوتاً عنه في علاقات المثليين، وطبيعة تلك العلاقات بين قائد ومقاد، وقاهر ومقهور، وحظ كل طرف من هذه العلاقات، التي يلخصّها التعبير الحجازي “الواد والعم”.

وتناولت أساليبهم في عرض أنفسهم، وغزلهم السافر، وكسراتهم الغنائية الخاصة، وقارن المؤلف بين كل ذلك وبين مشهد مماثل في منطقة “سوهو” في العاصمة البريطانية، حيث تأتي المثلية خياراً لا قهر فيه ولا اغتصاب.

كما تطرقت الرواية الجديدة إلى مواضيع أخرى شائكة مثل التمييز الاجتماعي في السعودية على أساس اللون، وعلى أساس العرق، وغياب الإنصاف للمرأة، والعنف ضد الأطفال، وتواضع روح المسؤولية لدى بعض أرباب الأسر.

وتأتي هذه الرواية ضمن موجة واسعة من الروايات التي اجتاحت السوق المحلي، واتسمت بسمات عامة، أبرزها الجرأة في الطرح، وتجاوز الخط الأحمر اجتماعياً، ومواجهة المجتمع بسلبياته، وصغر سن المؤلف –أو المؤلفة- كما اتسمت اغلب هذه الأعمال بالتواضع الفني، ولم تحظى بقبول النقّاد، بالإضافة إلى أنها لقيت هجوماً من جانب قوى محلية محافظة، بحسبانها أعمالاً مسيئة دينياً، ومشجعة على السقوط الأخلاقي، وتنقل صورة مشوهة عن المجتمع السعودي.

والرواية الواقعة في 175 صفحة من القطع المتوسط، صادرة عن “الدار العربية للعلوم ناشرون” ببيروت، وتوقع مهتمون أن تواجه هذه الرواية صعوبة في السماح ببيعها داخل السوق السعودي، وإن كانت وزارة الثقافة والإعلام أظهرت في السنوات الأخيرة مرونة عالية في هذا الخصوص.

New Law In Nigeria Bans Gay Meetings

The Chicago Defender

A new law in Nigeria, signed by the president without announcement, has made it illegal for gay people to even hold a meeting. The Same Sex Marriage Prohibition Act also criminalizes homosexual clubs, associations and organizations, with penalties of up to 14 years in jail.

The act has drawn international condemnation from countries such as the United States and Britain.

Some Nigerian gays already have fled the country because of intolerance of their sexual persuasion, and more are considering leaving, if the new law is enforced, human rights activist Olumide Makanjuola said recently.

Nigeria’s law is not as draconian as a Ugandan bill passed by parliament last month which would punish “aggravated” homosexual acts with life in prison. It awaits the president’s signature.

But Nigeria’s law reflects a highly religious and conservative society that considers homosexuality a deviation. Nigeria is one of 38 African countries – about 70 percent of…

View original post 944 more words

Homosexuality within Disney!

kosta 'N' coffee

The new film: “Frozen” was released in the autumn of 2013 and saw the likes of Idina Menzel, Kristen Bell and Jonathan Groff taking on the animated voices of the characters. If you haven’t seen the film I will not spoil it for you, but you must go and see it. The music; the story; the characters can only be described as epic. It has been described as the best animated Disney film they have done since The Lion King, it is definitely worth a watch.

However I’m not writing a review about the movie, I wanted to discuss what I think the hidden connotations are within the film; and how I think its Disney’s way of giving LGBT the thumbs up to equality.

It’s the first time in Disney history that the princess/queen does not have a love interest – she stands alone. We all know that love is…

View original post 498 more words

Self-love

Winning with Bipolar

I have spent five decades of life denying my needs. I was raised to believe it was selfish to take care of me. As an active alcoholic, I practiced a great deal of self-hatred. Being gay in the family and society and time I was taught me self-loathing. I had little chance to learn to love me.

I have often heard it said that we each have to take care of us. In early sobriety, I was told this was not true for me. I was told I had spent many years drinking in a selfish way. Loving and appreciating my strengths was denied me. It now appears to me this was another Puritanical way to get me to practice more self-hate.

Today, I embrace the idea that I must love me first. I have to open my eyes and recognize my beauty and be happy about it. Anything less than…

View original post 342 more words

التّحرّش الجنسي في السّودان

(مجتزأة من كتاب: منهج التحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان ـــ تحت الطّبع)

مهداة لشقائق الروح: رشا عوض، أمل هباني وهادية حسب الله

محمّد جلال أحمد هاشم

6asx05o08

استشرى التّحرّش الجنسي، بالفتيات والنّساء خاصّةً، خلال العقود الأخيرة بدرجة أصبح معها بمثابة ظاهرة ملفتة للنظر. وقد بلغ أمره حدّه الأقصى عندما أصبح النّاس يتعاملون مع التّحرّش الجنسي على أنّه من مخايل الرّجولة. وللتّحرّش الجنسي تاريخ في السّودان، ولو يكن غير طويل، إلاّ أنّه يكفي لترسيخ أقدام هذه الظّاهرة غير الحضاريّة وغير الأخلاقيّة.

أدناه سوف نعمد إلى تاريخ هذه الظّاهرة في بعدها الذّكوري (وهو الأشيع تاريخيّاً) والأنثوي (وهذا هو البعد الخفي)، ثمّ في بعدها المزدوج، وبخاصّةٍ تحرّش الرّجال بالفتيات والنّساء، أكان ذلك في الشّارع، أم في المدارس والجامعات، أم في الأسواق أم في أماكن العمل، دع عنك المناسبات الاجتماعيّة والعامّة.

يمكن تلخيص التّحرّش الجنسي sexual harrassment على أنّه معاملة الإنسان لإنسان آخر بطريقة تهضم حقوقَ الأخير الأساسيّة والمكتسبة، الاختياريّة، بطريقة توحي بأنّ الغرض من ذلك حملُه لممارسة الجنس معه، أكان ذلك مقابل إجراءات ثوابيّة أو عقابيّة أو بدونها. على هذا لا يكون التّحرّش الجنسي مقصوراً على معاملة الرّجل للمرأة وفق هذه الكيفيّة، إذ يمكن أن يشمل معاملة الرّجل لرجل آخر، أو معاملة المرأة لامرأة أخرى، أو حتّى معاملة المرأة للرّجل. وكلُّ هذا موجود في أيّ مجتمع، لكن ربّما دون أن يأخذ منحىً سلوكيّاً مؤسّسيّاً.

من أشهر أنواع التّحرّش الجنسي في السّودان، ممّا شكّل سلوكاً مؤسّسيّاً، نوعان أحدُهما قديم والآخر طارفٌ جديد نسبيّاً. النّوع القديم هو التّحرّش الجنسي البيدوفيلي، أي التّحرّش بالأطفال، في حال السّودان الذّكور منهم. وقد فشت هذه الظّاهرة في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، فرفدت لنا أدباً كاملاً هو أدب التّغزّل في الغلمان، كما أنتجت لنا مؤسّسة في حدّ ذاتها قامت على استرقاق الأطفال بغرض الاستمتاع بهم جنسيّاً.

 

التحرّش الجنسي بالأطفال وظاهرة المثليّة الذّكوريّة11111

ربّما دخلت هذه الظّاهرة إلى السّودان مع دخول العرب المسلمين إليه. إذ يُلاحظ انعدام هذه الظّاهرة في الشّعوب القديمة المجاورة لبلاد النوبة، مثل الحبشة (إثيوبيا حاليّاً) والتي تكاد تنعدم فيها ظاهرة المثليّة الذّكوريّة. ولكن يغلب الظّنّ أنّ ظاهرة المثليّة الذّكوريّة وابتدارها بالتّحرّش الجنسي بالصّبيان، إن كانت موجودة، قد تكرّست ثقافيّاً واجتماعيّاً مع العثمانيّين والأتراك، إن لم تكن قد دخلت أصلاً معهم، منذ غزو السّلطان سليم الثّاني للجزء الشّمالي للسّودان (1565م) وصولاً إلى الاستعمار المصري التّركي (1821م). فالرّحّالة بيركهاردت (1987: 446-7) يحكي عن شكوى قدّمها له القاضي بسواكن ضدّ حاكمها عن محمّد علي باشا ليقوم بتسليمها للأخير عندما يصل إلى الحجاز. وقد شاتملت الشّكوى على عدّة تهم منها عدم اعتراف حاكم سواكن بالعملة التي ضربها محمّد علي باشا، وعدم مواظبته على حضور صلاة الجمعة. وقد كان من بين التّهم التي دُبّجت ضدّ الحاكم، واحدة بعينها، ربّما لم يسمح الحياء لبيركهاردت أن يذكرها باسمها، فشرع يلمّح بها معرّضاً. فهو يقول، حرفيّاً، بلسان القاضي، أنّ حاكم سواكن قد “… أهان وظيفته بميوله غير الطّبيعيّة” ويستخدم بركهاردت كلمة “propensities التي تجوز ترجمتُها حسبما قمنا به، بينما تعني حرفيّاً أن ينحني المرء بنصفه الأعلى إلى الأمام، أو، باللهجة العامّيّة السّودانيّة “ينفقِس”. وما كان هذا سيلفت النّظر لولا أن أضاف بيركهاردت نجمة هامشيّة فوق هذه الكلمة ليقوم بشرحها في أسفل الصّفحة بقوله: ” يبدو أنّ هذه هي الجريمة الوحيدة في الشّرق التي لم تخترق بعد أفريقيا [يعني بأفريقيا بلاد السّودان التي مرّ بها]، حيث تعبّر جميع الطّبقات عن تقزّزها واستفظاعها ممّا يصفه الحجّاج العائدون بخصوص تمادي الأتراك والعرب [في هذه الممارسة] غير الطّبيعيّة”. ولا يأخذنا غير عارضة عابرة من الشّك في ترجيح أن المقصود هنا هو اللواط. ففي كلّ ترحاله بين أسوان ودنقلا وبربر إلى شندي، ثمّ منها إلى التّاكا فسواكن، يشير بيركهاردت إلى سوء أخلاق السّودانيّين وأنّهم في غالبهم لا عاصم لهم من رذيلة الدّعارة النّسويّة وإدمان السّكر ثمّ الغشّ والغدر والخيانة، مع ذكره لمكارمهم أيضاً. لكنّه في كلّ هذا لا يُشير إلى حادثة لواط واحدة. وتعود أهمّيّة شهادة بيركهاردت، بالإضافة إلى دقّته وصدقه المشهود، إلى أنّه كان يخالط في رحلاته عامّة النّاس بأكثر من صفوتها. فلو أنّه مرّ بحادثة لواط أو أيّ تحرّش جنسي من هذا النّوع، لكان قد أتى على ذكرها.

هذا ما كان قُبيل الحكم الاستعمار التّركي المصري بسنوات قلائل (ثماني سنوات بالضّبط، أي في عام 1813م). ولكن في منتصف القرن التّاسع عشر انتشر اللواط في الخرطوم (عاصمة دولة الاستعمار التّركي المصري) بدرجة أكبر من ملحوظة، فقد أصبح ظاهرة، وذلك جرّاء تحلّل الحكومة من أيّ التزام أخلاقي إزاء ما يحدث في المدينة، حسبما يرى بعض الباحثين. فقد كانت الخرطوم حينها تجمع شتيتاً من أجناس أوروبّيّة ومصريّة وتركيّة وسوريّة، وأرمن وشركس، وخلافه بالإضافة إلى المجموعات السّودانيّة بمختلف الجهات الأربع. ويصف أحد الباحثين أنّ ما كان “… يربط بين أخلاقهم جميعاً التّنكّب عن طريق الفضيلة والانطلاق الخالي من الضّوابط الاجتماعيّة” (أحمد أحمد سيد أحمد، 2000: 293)؛ محمّلاً المسئوليّة في ذلك إلى تجارة الرّق والعناصر الأوروبّيّة، فكان أن انتشر البغاء واللواط. وعن الأخير يقول: “واللواط في الخرطوم أكثر رواجاً من البغاء … ففي السّوق والميادين تشاهد الجماعة من المخنّثين في ملابس النّساء والكحل في عيونهم والخضاب في أكفّهم يقودهم رئيس منهم عاري اللحية، وهم يصوّبون نظراتِهم السّافلة هنا وهناك بحثاً عن صيد. ولم يكن المال ـ في كثير من الأحيان ـ الدّافع إلى اتّخاذ هذه الصّناعة، ففي سنة 1866 كان رئيس ’اللواطيّين‘ شابّاً قويّاً في العشرين من عمره ومن أسرة طيّبة يمكن اعتبارها من أحسن العائلات البرجوازيّة في المدينة …” (المرجع السّابق: 294).

وهكذا ما إن أهلّ آخر زمن التّركيّة، حتّى وقعت حادثة نكراء، وفي مدينة الأبيّض تحديداً، عدّها البعض من الأسباب المباشرة التي أدّت إلى التفاف النّاس حول الثّورة المهديّة وقائدها. ففي الفترة التي قضاها المهدي بالأبيّض، قبيل إعلان دعوته، يروي إبراهيم فوزي (1319 هـ [1901م]، مج 2: 73-4) أنّ المهدي “… في ذات يوم سمع ضوضاء الطّبول والموسيقى بمنزل بجوار منزله، ورأى من النّاس الدّهشة والاستغراب. فسأل عن الأساب، فقيل له إنّ فلاناً النّخّاس يريد أن يتزوّج بغلام اسمه (قرفة). فلم يصدّق [المهدي ذلك] وأخيراً دعى [دعا] إثنين من أتباعه وذهبوا إلى محلّ البدعة، فوجدوا المدعوين والموائد ممدودة والموسيقى تصدح، والدّفوف <الدّلوكة> تعزف. وجيء بشخص يلبس عمامةً وطيلساناً كالعلماء، فأجرى صيغة العقد، ودخل النّخّاس بالغلام. فأمسك المتهمدي [المتمهدي] سيفه وهمّ بضرب عنق النّخّاس وكلّ من قابله من أولئك الفسقة والضّالّين، فأمسكه صاحباه وحملاه إلى منزله. فاجتمع معه جماعة من المشايخ وذهبوا إلى الحكومة يشكون إليها أمر هذه المنكرات، فقوبلوا بالإهانة والازدراء، وقال لهم مامور الضّبطيّة (الدّنيا حرّة!). ثمّ ينفي إبراهيم فوزي الحادثة قائلاً: “وبالبحث وإجراء التّحقيق من رجال الحومة تحقّق أنّ المسألة ألعوبة ولم يكن لها أثر من الحقيقة” (المرجع السّابق: 74). وقد لا يؤخذ برأيه هذا، إذ جاء في معرض دفاعه عن نظام الحكم الذي كان ينتمي إليه؛ فالحادثة لا تزال راسخة في التّاريخ الشّفاهي، بل تمتدّ إلى تحديد فخذ القبيلة التي ينتمي إليها أبطالُها. ولعلّ ممّا يؤكّد ما ذهب إليه من نفي عدم ورود هذه القصّة في مذكّرات يوسف ميخائيل (أبو شوك، 2004)، إذ لا بدّ وأن تكون قد هزّت مدينة صغيرة كالأبيّض التي عاش فيها يوسف ميخائيل، إذ لم تكن أكثر من قرية ممّا نعهد الآن. ولكن، في المقابل، التّوصيف الذي قدّمه أحمد أحمد سيد أحمد أعلاه للمخنّثين وعادة التّشبّه بالنّساء يمكن أن يتّخذ كبيّنة تدعم وقوع حادثة الأبيّض التي عمد إبراهيم فوزي باشا إلى نفيها؛ ففي ظاهرة سافرة كهذه من حيث التّشبّه بالنّساء، وفي ظلّ تحلّل من قبيل الذي تمّ وصفُه، لا يستبعد المرء تطوّر العلاقة المثليّة لتصبح زواجاً، تأسّيّاً بالعلاقة بين الذّكر والأنثى. في تحقيقه لمذكّرات مذكّرات يوسف ميخائيل عمد أبو شوك (2004: ش) إلى إدخال العاكفتين المتقابلتين ([]) إمّا يحذف حرف أو كلمة لا لزوم لها في أصل المخطوطة، أو لإدخال حرف أو كلمة يرى المحقّق أنّ الكلام لا يستقيم إلاّ بها. من هذا ما نقرؤه عند وصف يوسف ميخائيل عن تكاتف الجميع، وانتفاء الفوارق الاجتماعيّة والاقتصاديّة والطّبقيّة بين النّاس في سبيل بناء التّحصينات والخندق (القيقر) حول مدينة الأبيّض قبيل محاصرتها من قبل قوّات المهدي (2004: 82-1): “وفي هذا السّاعة صار العبد مع سيّده إخوان، والعسكري مع أولاد البلد تـ[ـيـ]ـمان، والو[ا]طي بقا مع الرّجال إخوان …”. وفي رأينا أنّ المحقّق قد جانبه الصّوب في موضع العاكفتين في مفردة (الو[ا]طي)، ولربّما فضّل أن يستفيد من مساحة التّحيّز العلمي الذي يسمح له به المقام هنا. فلو أنّه غيّر موضع العاكفتين، ثمّ أبدال الألف باللام، على النّحو التّالي: (الـ[ـلـ]ـوطي)، لاستقام المعنى بأكثر ممّا ذهب إليه. إذ ما هي دلالة “الواطي”، وما مدى مقابلتها لمفهوم الرّجولة؟ فاللواط، كما أشرنا إلى ذلك في المعتقد الشّعبي العام، يذهب بالرّجولة ويضع المرء في خانة أقرب إلى النّساء من الرّجال؛ ولذا يجوز مقابلته بالرّجولة. وعلى هذا يبقى الرّجال بجانب، ويبقى المثليّون بجانب آخر، كومين متمايزين، أللهمّ إلاّ في الملمّات الشّديدة، حيث يمكن أن يتّحدوا جميعاً، وهي لحظات استثنائيّة، عادةً ما تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه سابقاً.

استمرّ الحال، من حيث انتشار اللواط في الفترة المصريّة التّركيّة، على هذا المنوال حتّى زمن المهديّة حيث يذكر إبراهيم فوزي باشا (1901: 173-175) خبراً عن وجود الشّواذ جنسيّاً في المجتمع السّوداني خلال الحكم الاستعماري التّركي المصري، ويسمّيهم بالمخنّثين؛ ويحكي أنّ هذه الظّاهرة كانت منتشرة، حيث كان هؤلاء المخنّثون يُرسلون شعورهم ويتشبّهون بالنّساء، فضلاً عن افتتاحهم لأنفسهم دوراً قائمة على الدّعارة الذّكوريّة بجانب قِوادتهم للدّعارة الأنثويّة. وقد أخذتهم المهديّة في أوّل عهدها بالشّدّة، فسجنتهم واستتابتهم، وأرغمتهم على أداء الصّلوات ونبذ حياة التّخنّث. ولكن ما لبث أن صعد نجم هؤلاء بفضل بعض قيادات التّعايشة وأمرائهم الذين اصطفوا هؤلاء المخنّثين وضمّوهم إليهم ليعيشوا تحت أسقف منازلهم، وعلى رأسهم عثمان شيخ الدّين (ابن الخليفة عبدالله التّعايشي) والأمير محمود ود أحمد الذي ذاع عنه تعلّقه بأحد المخنّثين. ويختم إبراهيم فوزي إفادته بإدانة لهؤلاء الأمراء قائلاً: “كما إنّ العقل يستبعد سلامة أولئك الأمراء من التّلطّخ بأوضار تهمة اللواط أعاذنا الله منها” (المرجع السّابق: 175).

وقد وقعتُ على قصص مرويّة شفاهيّاً، دون أن أقع على توثيقٍ لها، تحكي عن تعامل الخليفة عبدالله مع هؤلاء. فمع الوفود المبايعة له جاء شيوخ المهن، مثل شيخ النّجارين، وشيخ الحدّادين إلخ؛ وفي الضّمن جاء شيخ المثليّين (الملاوطيّة)، فاحتجّ الخليفة في جرأة هؤلاء وقدومهم، فهدّأ القومُ من حوله من روعه، مشيرين إلى خطر هذه المجموعة وما يمكن أن تلعبه من دور سلبي في حال مباشرتهم بالعداوة. وصادف أنّ اسم شيخ المثليّين كان “عبدالله”، على اسم الخليفة. وعندما سأله الخليفة عن اسمه، ردّ بلباقة: “يسلم الاسم”، فشدّ طلب الخليفة للاسم، فردّ مرّة أخرى بلباقة: “الاسم سالم”، وذلك اتّقاءً لغضب الخليفة، فسار ذلك مثلاً، كما سار عليه الاسم “سالم”. وقد سُرّ منه الخليفة أيّما سرور للباقته وحسن حديثه، فختم لقاءه بتعليق سار بدوره مثلاً: “الملاوطيّة قولكُم زين، إلاّ فعِلْكُم شين”، ثمّ صرفه. فيما بعد تؤكّد الرّوايات الشّفاهيّة إدخال الخليفة للمثليّين إلى السّجن (سجن السّاير). وقد حدث في إحدى زياراته إلى السّجن أن استقبله المثليّون بالزّغاريد، على عادة النّساء في التّرحيب، تسليماً منهم بما عليه أمرُهم، فضحك الخليفة، وكان رجلاً لا تفوته روح الدّعابة على قسوته المفرطة، فردّ ممازحاً لهم: “الملاوطيّة صوتكم سمِح بالحيل”. ويحكي سلاطين باشا (1978: 264) عن أنّه “وُجد في السّودان في أوائل حكم الخليفة عبدالله قوم أمعنوا في ضروب الفساد وأطلقوا العنان لشهواتهم فعاقبهم الخليفة في مبدأ الأمر بنفيهم وتشريدهم إلى الرّجّاف، ولكنّه عدل عن ذلك بعد قليل من الزّمن وانتهى إلى حلّ حاسم وهو سهولة كبرى في معاملة شعب بعيد عن الأخلاق القويمة …”. فهل تُرى جاء قوله في معرض الإشارة إلى المثليّين ممّن أُطلق عليهم وصف المخنّثين؟

على أيٍّ، تُفيد هذه المحكيّات عن أنّ ظاهرة الشّذوذ الجنسي الرّجالي كانت مستشرية في المجتمع السّوداني الذي تسيطر عليه حرائك الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة خلال الاستعمار المصري التّركي وكذلك خلال حكم المهديّة. وبما أنّه لا توجد إفادات عن هذه الظّاهرة في فترة التي تسبق الاستعمار المصري التّركي (أو لم نقع عليها مع شدّتنا في طلبها، بما يمكن أن يعني محدوديّة الظّاهرة إن كانت موجودة)، يمكن القول باطمئنان كبير أنّ الاستعمار التّركي المصري هو الذي أرسى قواعدها، إن لم يكن قد أدخلها. وقد زاد تكريس هذه الظّاهرة خلال عقود الاستعمار البريطاني المصري منذ بدء القرن العشرين، إذ لم تتساهل فقط الإدارة البريطانيّة إزاء تحرّش موظّفيها وإداريّيها ومدرّسيها بأطفال المدارس وصغار موظّفي الدّولة، بل غضّت الطّرف عنهم عمداً تعويضاً لإداريّيها الذين كان أغلبُهم حديثي تخرّج من الجامعات، إذ ربّما لم تكن تسمح لهم شروط الخدمة القاسية، ذات الشّدّة، بأن يتزوّجوا إلاّ بعد سنوات من الخدمة. وربّما كان في المخطّط من وراء الإذن غير المباشر بالتّحرّش بالأطفال كسر كرامة رجال الغد في مجتمع مسلم محافظ يُنظر فيه إلى اللواط على أنّه يذهب برجولة الضّحيّة في حال التّحرّش، أو بصورة إجماليّة الشّخص الملوط.

تكرّست النّظرة الإزرائيّة فيما يتعلّق بذهاب ممارسة اللواط بالرّجولة في بنية الثّقافة العربيّة الإسلاميّة (بل في غالب الثّقافات في العالم) بافتراض أنّ المجامعة الجنسيّة لا تحدث إلاّ بين ذكرٍ وأنثى. وبالتّالي من يقع عليه فعل اللواط يحتلّ موقع المرأة، وبالتّالي لا يصبح رجلاً مكتمل الرّجولة. وبالفعل تماهى المثليّون في غالبهم الأعمّ مع هذه الفرضيّة، فتخنّثوا، أي أظهروا مخايل الأنوثة مع كونهم فيسيولوجيّاً رجال. كما زادت على ذلك الثّقافة العربيّة الإسلاميّة بمقايسة اللواط على قواعد اللغة النّحويّة، فأصبح لدينا مفهوم الفاعل والمفعول به. جاء في الأثر عن عكرمة، عن ابن عبّاس الحديث التّالي المنسوب إلى النّبي (ص): “من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به”. وقال سيّد سابق (1971، مج. 1: 275): “رواه الخمسة إلاّ النّسائي. قال في النّيل: وأخرجه الحاكم والبيهقي. وقال الحافظ: رجالُه موثوقون إلاّ أنّ فيه اختلافاً”. فبرغم ثقاته إلاّ أنّ به اختلافاً؛ ومع كلّ هذا لم يشفع هذا الاختلاف في تخفيف حدّة التّصنيف والتّحميل. ولعلّ ممّا يُضعف هذا الحديث، على ما فيه من رواةٍ ثقاة، جودة سبك التّعبير الخطابي في مصطلحي “الفاعل” و”المفعول به”؛ فهنا شبهة ألاّ يكون هذا التّعبير قد تبلور إلاّ بعد أنّ تطوّر علم النّحو والصّرف واكتمل بناء مصطلحاته العلميّة. وكلّ هذا يتّفق مع السّلوك العام في الثّقافة الشّرقيّة القائمة على حرائك الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة التي ينتقص فيها اللواط من كرامة ورجولة المفعول به دون الفاعل (مع التّحفّظ لما في الخطاب الاصطلاحي من رنّة لفعل الاغتصاب). وربّما كانت منجاة الجاني (الفاعل) من المعرّة بسبب القوّة الماديّة للرّجل إزاء المرأة، وعلى هذا قيس وضع اللواط. أمّا منجاة الفاعل من مغبّة التّعيير المنتقص من الرّجولة في الفترة الاستعماريّة بالسّودان فقطعاً تعود إلى السّلطة التي التي كان يتمتّع بها الفاعل الاستعماري. بهذا ساءت سمعة المدارس النّظاميّة أوّل عهدها بالنّظر إليها على أنّها مفسدة للأولاد.

فشت ظاهرة التّحرّش الجنسي اللواطي خلال القرن العشرين على وجهٍ أخصّ في المراكز الحضريّة، وارتبطت بالمدارس وطبقة الأفنديّة، واشتُهر أكثر ما اشتُهر بها قطاع من المدرّسين ورؤساء الأقسام بدواوين الحكومة، ثمّ في مجالات حداثويّة أخرى مثل الرّياضة والغناء، ثمّ بين بعض السّاسة والمتنفذّين في جهاز الدّولة. وهكذا انتشرت ظاهرة اللواط بكثرة نسبيّة قبيل منتصف القرن العشرين واضمحلّت في أخرياته، ولا عجب، إذ كانت تتلقّى رعاية استعماريّة بمجرّد غضّ الطّرف عنها. وقد ساعد في انتشارها انتكاسة وضع المرأة في المراكز الحضريّة بخلاف وضعها في الرّيف. وهذا يشي بالوضع المقلوب للحداثة ممّا أفضنا فيه في مكوّنات إنسان أمدرمان. كما ساعد انفتاح المجتمع نوعيّاً في أخريات القرن العشرين، جرّاء تزايد تعليم البنات وانفتاحهنّ، على زوال واضمحلال الظّاهرة. ولا نعني بذلك انتهاء المثليّة، فهذا ممّا لا يمكن الزّعم به؛ ما نعنيه هو اختفاء ظاهرة التّحرّش الجنسي بالصّبيان (أو ثقافة الغلمان) بوصفها من مخايل الرّجولة والفحولة.

يخرج الصّبيان الذين تعرّضوا للاعتداء الجنسي، في المجتمع السّوداني المحكوم بمعياريّة الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة، وهم يعانون من جملة من المشاكل المرتبطة بالفهم الخاطئ للرّجولة، إذ عادةً ما ينشأون برجولة مجروحة ومشكوك فيها، وهكذا قد يخرجون للنّاس في مقبل أيّامهم بنفسيّة أذَويّة traumatized، مصابة بعدم الثقة في النفس. وبالتّالي قد تعمد هذه الشخصية لأن تكون تصالحية غير مهاجمة. وعلى هذا قد يحدث تماهي، فيقضون بقيّة حياتهم متصالحين مع حقيقة أنهم خُلقوا هكذا. ولكن هذا قد لا يعني رضاءهم فعليّاً وحقيقيّاً بهذا المصير، فقد تتولّد في دواخلهم أحقاد دفينة تجاه المجتمع ككلّ، وبخاصّة إزاء القطاعات التي تزدريهم. ومن بين رماد هذا الحقد الدّفين ربّما تتخلّق جرثومة نزعات لعنف كامن عميقاً في تلافيف النّفس وخفاياها اللاشعوريّة. وبالطّبع ليس أيسر من توظيف هذا العنف الكامن من قبل العديد من الجهات المستغلّة manipulative، التي لا يوجد “أشطر” منها في اكتشافه والانتباه لوجوده رغم كمونه. ولكن لا بدّ من توفّر التّهيّؤ النّفسي حتّى تقوم هذه الجهات بتحريك تكتيكاتها التي تأتي بأحد حالتين، الأولى إعلائيّة sublimative والثّانية انحطاطيّة degenerative.

يكمن التّكتيك الإعلائي في أن يقوم هذا الشّخص المأزوم (أو أن يُدفع ليقوم) بالانتماء إلى حركة فكريّة سياسيّة، أو أيّ تنظيم آخر، من المفترض أنّه يعمل في سبيل صالح المجتمع والإنسانيّة (كيفما اتّفق فكرُه)، وذلك إمّا تكفيراً أو تجاوزاً لجراحات النّفس الغائرة من ذلك الماضي الأذوي؛ وتأتي الحركات الإسلاميّة بخاصّةٍ والدّينيّة بعامّة كأحد أقوى المرشّحين لاستيعاب هذه الشّخصيّات المأزومة، وذلك كون الدّين يكفّر ويجُبّ ما قبله، على عكس الحركات اليساريّة الكلاسيكيّة، إذ ترفض هؤلاء وتعتبر ذلك الماضي نقيصة لا تُكملُها منجزات مقتبل العمر ومآلاته. وفي الحقيقة ظلّت تهمة التباس ماضي بعض منسوبي حركة الإخوان المسلمين بالمثليّة في مطلع شبابهم تطاردهم إلى الكهولة، بالحقّ أو بالباطل. من ذلك ما أورده شوقي ملاّسي (2004: 31) بخصوص أهداب التّهمة التي لاحقت زعيم حركة الإخوان المسلمين، شيخ حسن التّرابي، طيلة عمره منذ أيّام الطّلب بمدرسة حنتوب الثّانويّة، أوائل الخمسينات، والرّجل لا يعبأ بها في صمدانيّةٍ نضاليّة تستوجب الإعجاب. يقول ملاّسي: “مضى العام الدّراسي الثّالث هادئاً قبل أن تنفجر قنبلتان. كانت الأولى اجتماعيّة وغير هامّة، لكنّها شغلت المدرسة ومجتمعاتها زماناً. وقعت الحادثة في داخليّة أبو عنجة، التي كان يرأسها جعفر نميري، وعرفت بقصّة (كشكوش ـ التّرابي) عندما انتشر خبر عن اعتداء، أو محاولة اعتداء من الطالب كشكوش على الطّالب حسن التّرابي. وراجت قصص وسط الطّلاّب حول هذا الأمر، ونتج عن ذلك الحادث طرد الطّالب كشكوش من المدرسة، ثمّ طلب المستر براون [ناظر المدرسة] من الطّالب حسن التّرابي أن يستعدّ لامتحان الشّهادة من الصّفّ الثّالث. وبالفعل امتحن التّرابي ونجح في إحراز شهادة كيمبردج، متفوّقاً حتّى على زملائه الذين امتحنوا معه بعد إكمالهم للصّفّ الرّابع”. بعد هذا يورد ملاّسي أنّ القنبلة الثّانية ذلك العام كانت تتعلّق بقرار وزير المعارف، عبد الرّحمن علي طه، بطرد مائة طالب من مدرسة خور طقّت الثّانويّة بالقرب من الأبيّض. ونقدّم هنا عدّة ملاحظات، أوّلها أنّ الحادثة غير مؤكّدة لشاهد عصر إذا ما كانت اعتداءً قد وقع أم محاولة اعتداء؛ ثانياً، لم يأبه ذلك المجتمع، ولا يزال غير آبهٍ، بهذه التّفصيلة المهمّة، فهو في تعطّشه الفضائحي يساوي بين وقوع الحدث وبين المحاول فيه؛ والمجتمع في هذا إنّما يتصرّف مثل مدمن المحدّرات الذي يتمنّى لو أنّ المجتمع كلّه قد أصبح مدمناً. فانتهاك أعراض الصّبية أصبحت منتشرة لدرجة انّ هناك تيّاراً غالباً يريد لأيّ صبي صغير أن يقع ضحيّة لهذه الظاهرة الغاشمة، أكان ذلك بالحقّ أم بالباطل؛ ثمّ فلنلاحظ كيف طوى النّسيان الجاني، بينما لم يتحرّر الضّحيّة من تبعة تهمة لم تثبت عليه بالدّليل القاطع.

ومن أكثر الإفادات جسارةً في هذا الشّأن ما نسبته بعض أعمدة الصّحف الموالية للحركة الإسلاميّة على لسان أحد الولاة (كرم الله عبّاس، والي القضارف) باتّهام بعض منسوبي الحزب الحاكم (المؤتمر الوطني) بممارسة اللواط وإمكانيّة فتح بيوت مخصّصة لهذا، مع التّهديد بإغلاقهاً. فقد جاء عن الوالي أنّه “ مضي في جنونه ليقول بالصّوت العالي إنّ هناك ممارسات لا أخلاقيّة، حتّى داخل حزب المؤتمر الوطني، متّهماً بعض أعضائه بممارسة أفعال قوم لوط، وحدّد أماكن بعينها لترك فتح [كذا] أبوابها لهؤلاء المنحرفين، مهدِّداً إيّاهم بإغلاقها خلال مدّة زمنيّة لا تنقص ولا تزيد” (عبد الماجد عبد الحميد، عمود صدى الخبر، “كرم الله عبّاس: سقوط القناع والعمامة”، جريدة الانتباهة، 8/5/2010، العدد رقم 1597). ولكن، الحقيقة التي لا يمكن أن يماري فيها النّاس أنّه لا يمكن حصر هذه الممارسة في فئة بعينها، ذلك أنّ المثليّة الذّكوريّة ليست سوى ثقافة استشرت بين طبقة الأفنديّة، وترسّخت منذ عقود سبقت قيام تنظيم الإخوان المسلمين بكثير. أللهمّ إلاّ أن يكون ذلك لغرض، مثلما هو الحال في الكيد لشيخ التّرابي.

أمّا التّكتيك الثّاني الانحطاطي، فهو أن يتمكّن الحقد من الشّخص المأزوم إلى درجة أن يصبح مستعدّاً للانتقام الذي لا يلحق بمن آذوه بالضّرورة، بل بالمجتمع الذي قد يبدو غير مبالٍ به ولا بما يعانيه. وأكثر التّنظيمات الملائمة لاستيعاب هؤلاء هي الأجهزة الأمنيّة في الأنظمة الديكتاتوريّة، حيث يضطلعون بمهام التّعذيب الوحشي الذي يشبع فيهم نهمَهم المرضي للانتقام. هناك أدلّة كثيرة تشير إلى أنّ أجهزة الأمن خلال نظام مايو قد لجأت إلى استخدام بعض ضحايا التّحرّش الجنسي الأطفالي، ممّن انتهى بهم الأمر على المثليّة، في غرف تعذيبها. كما هناك إفادات عديدة عن العنف المبالغ فيه الذي بدأ به نظام الإنقاذ الإسلامي، حيث يرى بعض المراقبين إمكانيّة أن يكون لهذا العامل دور كبير في صرعة التّعذيب الوحشي فيما عُرف ببيوت الأشباح. وحسب فهم ميشيل فوكو في مسألة الانضباط والعقاب، قد تكون هذه النّقلة العقابيّة التي لم يألفها المجتمع قد جاءت كتطوّر لتراكمات الحقد والكراهيّة الذّاتيّة والأخرويّة، مدّشنةً بذلك عهد انتهائها (راجع الفصل الثّامن أعلاه). ولكن مع هذا لا تخلو المسألة من محاولة لمقايسة الوضع في بعض الدّول المجاورة، العربيّة منها والأفريقيّة، بوضع السّودان.

هذا ما كان بخصوص التّحرّش الجنسي الذّكوري، وهو شيء ذو خطر في مجتمع تقليدي يربط المثليّة الجنسيّة بالأنوثة، وهذا ما استدعى التّعرّض له لتبيين أنّه شيء يختلف تماماً، الأمر الذي يوجب آليّة مختلفة للتّعامل معه، ومنذ الصّغر. أمّا النّوع الثّاني من التّحرّش الجنسي فهو ذلك الموجّه ضدّ المرأة وصغار الفتيات في العمل والمدارس والجامعات تباعاً، وهو ما سنتعرّض له أدناه، لكن ليس قبل التّعرّض للمثليّة بين النّساء.

 images

التّحرّش الجنسي بالمرأة وظاهرة المثليّة النّسائيّة

فيما يتعلّق بالمثليّة النّسائيّة هناك مؤشّرات عديدة، ولكن مسكوت عنها بطبيعة الحال، تُشير إلى أنّها كانت قد استشرت إبّان العهد المايوي عندما كان تنظيم الاتّحاد الاشتراكي يدير شئون البلاد. وقد دخلت هذه الظّاهرة إلى غِيابة المسكوت عنه، وذلك بزوال نظام مايو الذي لم يكن سوى قائمة عرض طارئة لظاهرة ربّما كانت أرسخ قدماً منه. فالمؤكّد أنّ هذه الممارسة كظاهرة بدأت في منتصف القرن العشرين، وذلك تحديداً بامرأة من أصول شاميّة، وُلدت بالسّودان، ثمّ درست بالخارج وعادت إليه وهي ناضجة. وقد استهدفت نساء الأسر من الطّبقة المتميّزة اجتماعيّاً. بعد ذلك انتشرت هذه الظّاهرة بين النّساء والفتيات العاملات، أي اللائي خرجن للعمل. وربّما كان ذلك معاوضةً لتشدّدهنّ في التّعفّف من حيث علاقاتهنّ بالرّجال، وهو ما جعل المجتمع يقبل أن يخرجن للعمل. في منتصف ستّينات القرن العشرين استشرت هذه الظّاهرة بين العديد من النّساء العاملات في الخدمة العامّة، وتحديداً المهن التي ترخّص المجتمع للنّساء بمزاولتها كالتّعليم والتّمريض وخلافه، وبوجهٍ أخصّ انتشرت بين العاملات اللائي عشن حياة الدّاخليّات. وهكذا ما إن جاء نظام مايو حتّى خرجت هذه الظّاهرة إلى الضّوء، مستقوية بالوضع المائز الذي نالته المرأة أوّل سنيّ مايو. وقد تردّد حينها أن بلغ الأمر درجة قام معها الرّئيس نميري باستدعاء بعضهنّ، محذّراً لهنّ ممّا يفعلن. واليوم لا تزال المثليّة النّسائيّة تمارس، وبخاصّةٍ بين فتيات الجامعات، دون أن يبلغ المجتمع درجة ولو دنيا من الرّشاد والنّضج لمواجهة هذه الظّاهرة. وكيف يمكن لنا أن نحلم بهذا في مجتمع ازورّ عن مواجهة قضيّة دوليّة مثل مرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز)!

ولعلّ ممّا يجعل المثليّة النّسويّة كامنة في تلافيف قطاعات المجتمع وغير ملحوظة ذكوريّة المجتمع الطّاغية نفسها. إذ حكمت أيديولوجيا هذه الذّكوريّة على المرأة أن تتقلّص حركتُها في أضيق مجال ممكن. في هذا جاز استفراد النّساء بعضهنّ ببعض دون أن يُثير هذا شكوك الرّجل. ولهذا قد لا يلاحظ مجتمع الذّكور وجود هذه الظّاهرة بين نسائه، بينما تعجز النّساء عن تداول هذه القضايا بغية تعيير من يقعن تحت طائلة المثليّة منهنّ لذات التّابوهات المتعلّقة بالجنس إلاّ خلسةً. كما ساعدت ذكوريّة المجتمع الطّاغية في تجاهل هذه الظّاهرة من منطلق أنّ المثليّة النّسائيّة لا ضرر منها ولا خوف طالما أنّ المرأة لا تملك عضواً ذكريّاً، ذلك كون هذا العضو شرطاً لازماً لتشكّل التّابو الجنسي، هذا حتّى لو اصطنعت المرأة لها واحداً ممّا رفدت به التّكنولوجيا الحديثة. فذكوريّة المجتمع جعلته عاجزاً عن تصوّر أيّ مواضعة جنسيّة مكتملة بغير وجود الذّكر مع عضوٍ قادر على الانتصاب. وهذا هو السّبب وراء التّرخّص في مخالطة المخصيّين للنّساء في هذه المجتمعات؛ وهي ثقافة انتشرت وتمدّدت حتّى شملت جميع الخدم الذّكور، إذ ربّما تتصرّف نسوة البيت المتسيّدات أمامهنّ بغير احتشام وذلك باعتبار أنّه من غير الوارد أن تبلغ به رجولتُه المجروحة بالاستخدام المنزلي مبلغ أن يُستثار بسيّدته. فهذا الاستخدام، ولو كان بأجر مدفوع، ليس سوى ابن ثقافة الرّقّ كونه لا يُحبّذ الاستخدام المنزلي إلاّ من المجموعات التي كانت مؤسّسة الرّقّ تستهدفها تقليديّاً، مثل جبال النّوبة، الجنوب، وما شابه. في المقابل، قد يتماهى الخادم في طهرانيّة ظاهريّة مع مسكنة متغابية، من خلالها يكرّس لمكانته في الأسرة كخادم أمين (ولد بيت).

136489767684

 

التّحرّش الجنسي بالمرأة واستعراض المرأة للرّجال في الشّارع

يعود التّحرّش الجنسي بالفتيات والنّساء في شمال السّودان والمراكز الحضريّة بعموم إلى الوضع المقلوب للمدينة من حيث الانفتاح النّوعي بين الجنسين. فقد حكمت المدينة في بدايات تشكّلها على المرأة أن تقرّ في بيتها فلا تخرج منه إلاّ لضرورة؛ هذا بينما رفيقتُها في الرّيف، بصورة عامّة، تشارك الرّجل العمل في الحقل وفي السّوق وفي كلّ مناحي الحياة. تمخّض عن هذا قانون اجتماعي مؤدّاه أنّ على المرأة أو الفتاة التي تخرج من منزلها أن تتحمّل مسئوليّة ما يحدث لها، وما يحدث لها هو بالطّبع التّحرش الجنسي الذي يبدو كما لو كانت قبيلة الرّجال قد توحّد رأيُها بخصوصه. فالرّجال، يتبعهُم الغاوون من الفتية والصّبيان، كما لو انعقدت مخايلُ الرّجولة عندهم على عدم تفويت أيّ فرصة للتّحرّش الجنسي بالمرأة متى ما كان ذلك متاحاً ولو بصورة عابرة؛ فمجرّد اقتراب المرأة أو الفتاة من الرّجل أو الفتى كفيل بأن يجعل الأخيرَين يسعيان للاحتكاك بها وملامسة جسدها كيفما اتّفق؛ فإمّا لكزاً بالكوع في خاصرتها إذا ما جلست بجانبه في المركبات العامّة، أو احتكاكاً بالأقدام تحت ستار المقاعد، أو غمزاً بخائنة الأعين، أو حتّى همزاً بالأصابع. هذا فضلاً عن التّحرّش اللفظي المفتوح في مشارع الطّرقات العامّة والذي عادةً ما يستهدف التّلميح إلى جسدها بأسلوب أقلّ ما يمكن وصفُه أنّه بذيء. هذا هو واقع الحال في المراكز الحضريّة من السّودان التي تطرح نفسها كنماذج لإعادة إنتاج الهوامش الرّيفيّة. والغرض النّهائي من هذا النّوع من التّحرّش الجنسي تكريس دونيّة المرأة وليس استدراجها بغية مواقعتها جنسيّاً بالضّرورة، مع إمكانيّة حدوث هذا في أيّ حالة مواتية.

تدهورت العلاقة النّوعيّة في السّودان خلال العقود الأخيرة إلى درجة أن أصبح التّحرّش الجنسي أساسها في الغالب الأعمّ. ومكمن التّدهور يعود إلى أنّ التّحرّش الجنسي قد حقّق طفرة، إذ لم يعد الغرض منه تكريس إحساس الرّجل بتفوّقه الذّكوري إزاء إحساس المرأة بدونيّتها الأنثويّة، بل تعدّاه ليصبح سلوكاً مؤسّسيّاً الغرض منه قهر المرأة من خلال التّعامل المباشر معها، بمعاكستها في عملها وإعاقتها في دراستها أو حرمانها من الخدمات الأساسيّة. كلّ هذا لحملها على الخضوع الجنسي إشباعاً لنهم الرّجل الذي عادةً ما يكون في موقع يمكّنه من إلحاق الأذى أو الضّرر الدّراسي أو الوظيفي أو الخدمي بها. وبلغ الأمر غايتَه الدّنيا من حيث الانحطاط عندما تحوّل إلى ابتزاز يقوم به العديد من الرّجال في أمكنة العمل أو في الجامعات، فإمّا أن تسمح لهم المرأة أو الفتاة بأن يضاجعوها، وإلاّ فاتتها التّرقية، أو حتّى الوظيفة نفسها، أو درجة النجاح مهما جدّ منها العزم وتجلّت فيها النّباهة.

حدث هذا التّدهور المريع في سياق بعينه يمكن تلخيصُه في ثلاثة عوامل، أوّلُها هو اتّحاد بنيتي الوعي التّناسلي والوعي البرجوازي، وهو أمر قديم، بيد أنّه تكرّس بغياب أيّ مشروع للحداثة، وهو ما لخّصناه في النّظرة الانحطاطيّة للرّجل إزاء المرأة وشعوره بأنّها ممّا يُشترى بالمال. ويعود هذا إلى سيادة مفهوم الشّرف المادّي الذي يستند على الجسد كمختبر مادّي للعفّة والطّهارة. وهذا يعكس بعد مجتمعاتنا عن مفهوم الشّرف كقيمة أخلاقيّة، جماليّة، يستمدّ محكوميّته من شفافيّة الجمال، لا غلاظة الجسد. أمّا العامل الثّاني فهو موجة الهوس الدّيني التي استحكمت في العقود الأخيرة، والتي لم ترَ في المرأة شيئاً بخلاف مظنّة الرّزيلة. وبما أنّ هذا النّمط من التّديّن عادةً ما يكون مهجوساً بالجنس، لذا نشط في تفويج الزّيجات بطريقة مهووسة تعكس درجة تهجيسه بالجنس وبالمرأة. كما عمل في نفس الوقت، محكوماً بتهجّساته الجنسيّة، إلى تشريع أنماط من الزّواج لم يعرفها المجتمع السّوداني المسلم، مثل زواج المسيار، لا نشداناً لفقهٍ حداثويٍّ ينقذ شبابَنا من تبكيت الضّمير إزاء موجة التّحرّر الجنسي، بل إشباعاً لرغباتهم الجنسيّة في المقام الأوّل بحيث يُتيح لهم مواقعات جنسيّة ميسّرة وبأقلّ تكلفة. أي الانجراف مع موجة التّحرّر الجنسي وبأقلّ التّكاليف، ولكن من منظور فقهي يعفيهم من المساءلة، كما لو كان المسّائل بشراً وليس الله. أمّا العامل الثّالث فكان انصياع مؤسّسة الدّولة، عبر أجهزتها الحزبيّة السّياسيّة للخطاب الدّيني العقابي، الانضباطي نفسه، للدّرجة التي كأن لم يعد للحكومات من مهام غير ضبط النّساء والفتيات خشية أن يأتين بالفاحشة. فلأن تغطّي النّساءُ رؤوسهنّ أصبح أعلى درجة عند الحكّام الملتاثين من النّظر إلى ما إذا كانت النّساء يتمتّعن بصحّة جيّدة، دع عنك أكل مال السُّحت وظلم النّاس وتقتيلهم بغير وجه حقّ، كما دع عنك التّفريط في الأرض.

وقد كان نتاج هذا كلّه أن زادت الرّزيلة بدرجة أصبحت فيها المرأة تُستعرض من قبل الرّجال في الشّوارع بغية إغوائها ومواقعتها في اجتراءٍ لم يعرفه المجتمع السّوداني من شماله إلى جنوبه، من غربه إلى شرقه في عقوده السّابقة. وظلّت قبيلة الرّجال في غالبها الأعمّ تنظر إلى هذا على أنّه من سيماء الفحولة وممّا لا يُعيب، بل يجلب المفخرة. وهكذا إن هي إلاّ زمن قليل حتّى تماهى قطاع من المرأة في ذات السّلوك، فأصبحت تستعرض الرّجالَ، ليس في زوايا الطّرقات المعتمة ليلاً فحسب، بل في رابعة النّهار والشّمسُ رأْد الضّحى، في انتظار من يقلُّها فيمنحُها بدرةً من مال، فتمنحُه جسدَها. بيد أنّ هذا لا يجلب لها أيّ مفخرة، ولا غرو، إذ تبوء بالعار المرأةُ وحدها. ثمّ بلغ الحال أن برزت النّساءُ العاملاتُ في الدّعارة الشّوارعيّة وهنّ محجّبات، منقّبات، تمويهاً وإغراءً، إذ ليس أشهى للرّجل الملتاث من مواقعة المرأة العصيّة، المحجوبة عن الرّجال ـ مظهراً لا مخبراً.

عند هذا يفقد المجتمع حسَّه العام common sense، وليس أقتل للمجتمعات من هذا. وهكذا لم يعد هناك معيار للطّهر والعفاف عند الرّجال أو النّساء، فانهزمت القيم إذ غابت مُمايِزاتُها. فالفُسق والعهر السّياسي لا محالة سيجلب معه كلّ أنواع الفسق والتّعهّر الأخلاقي. وهذه هي بالضّبط المسئوليّة الجماعيّة للدّولة، كونها آليّة تركيز الإرادة الجمعيّة. حقّاً، لقد أخرجت الإنقاذ أسوأ ما في الشّعب السّوداني!

%d bloggers like this: